«أنت شخص بيئة».. جملة تُقال كثيرًا في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. وغالبًا ما تستخدم للسخرية أو التقليل من شخص آخر.
المفارقة أن الكلمة نفسها أصبحت محورًا لخطط التنمية حول العالم. كما تحولت البيئة إلى ملف يرتبط بالاقتصاد والطاقة والصحة ومستقبل الأجيال.

وهنا يبرز سؤال مختلف: كيف تحولت كلمة «البيئة» إلى وصف سلبي في بعض الاستخدامات اليومية؟ وهل تؤثر اللغة في نظرة المجتمع إلى الاستدامة؟
من معنى البيئة إلى «انت بيئة»
تعني البيئة، في معناها العلمي، كل ما يحيط بالإنسان ويؤثر في حياته.
وتشمل الهواء والمياه والتربة والكائنات الحية. كما تمتد إلى العناصر الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالمجتمع.
لكن الاستخدام اليومي منح كلمة «البيئة» معنى مختلفًا في بعض السياقات.
وأصبحت عبارة «بيئة» تستخدم أحيانًا للإشارة إلى العشوائية أو الفقر أو قلة الذوق.
وهنا حدث انفصال واضح بين الكلمة ومعناها الحقيقي.
فالبيئة ليست وصفًا لمستوى اجتماعي. كما أنها لا تعني مكانًا معينًا أو نمط حياة محددًا.
إنها ببساطة المحيط الذي يعيش فيه الإنسان ويتفاعل معه.
العالم يتعامل مع البيئة بشكل مختلف
في الوقت الذي تحمل فيه الكلمة دلالة سلبية في بعض الأحاديث اليومية، أصبحت البيئة أولوية على مستوى العالم.
وتبنت الأمم المتحدة 17 هدفًا للتنمية المستدامة ضمن أجندة 2030.
وتشمل الأهداف قضايا الفقر والصحة والتعليم والطاقة النظيفة والمدن المستدامة.
كما تتضمن أهدافًا خاصة بالاستهلاك والإنتاج المسؤولين والعمل المناخي وحماية النظم البيئية.
وبذلك لم تعد البيئة ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد.
بل أصبحت جزءًا من خطط التنمية والاستثمار وإدارة الموارد.
البيئة بالأرقام
تكشف أرقام الأمم المتحدة حجم التحدي الذي يواجه العالم.
وينتج العالم حاليًا نحو 2.1 مليار طن من النفايات البلدية سنويًا.
وتشير توقعات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى ارتفاع الكمية إلى 3.8 مليار طن بحلول 2050.
كما بلغت التكلفة المباشرة لإدارة النفايات عالميًا نحو 252 مليار دولار في 2020.
وترتفع التكلفة إلى 361 مليار دولار عند احتساب آثار التلوث وسوء الصحة وتغير المناخ.
وقد تصل التكلفة السنوية إلى 640.3 مليار دولار بحلول 2050 دون تحرك عاجل.
هذه الأرقام توضح أن الاستدامة ليست رفاهية.
فطريقة تعامل المجتمع مع النفايات والموارد أصبحت قضية اقتصادية أيضًا.
المدن تضغط على الموارد
تزداد أهمية البيئة مع استمرار نمو المدن حول العالم.
وكان 55% من سكان العالم يعيشون في المناطق الحضرية وفق بيانات الأمم المتحدة.
وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع النسبة إلى 68% بحلول 2050.
كما قد يضيف التوسع الحضري نحو 2.5 مليار شخص إلى سكان المدن خلال الفترة نفسها.
وهذا يعني مزيدًا من الضغط على المياه والطاقة والنقل والغذاء.
كما يعني زيادة الحاجة إلى إدارة أفضل للمخلفات وتقليل الانبعاثات.
لذلك أصبحت فكرة المدن المستدامة جزءًا أساسيًا من النقاش العالمي.
وماذا عن مصر؟
لم تعد الاستدامة في مصر مجرد مصطلح مرتبط بالمؤتمرات البيئية.
فقد أصبحت حاضرة في ملفات الطاقة والمخلفات والنقل والاستثمار.
كما ساهم استضافة مصر مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ في زيادة حضور قضايا المناخ والاستدامة في النقاش العام.
وتتزامن هذه التحركات مع توجه عالمي لزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة.
كما تتوسع دول عديدة في مشروعات إعادة التدوير والاقتصاد الدائري والنقل منخفض الانبعاثات.
هل تؤثر اللغة في الوعي؟
السؤال هنا ليس ما إذا كانت عبارة واحدة تستطيع تغيير سلوك المجتمع.
الأهم هو ما تكشفه هذه العبارة عن الصورة الذهنية لكلمة «البيئة».
فعندما ترتبط الكلمة بالسخرية أو الوصم، يصبح من الصعب تقديمها باعتبارها قيمة إيجابية.
وعلى الجانب الآخر، يمكن للغة أن تجعل مفاهيم الاستدامة أكثر قربًا من الحياة اليومية.
فالحديث عن «ترشيد الطاقة» يرتبط مباشرة بقيمة فاتورة الكهرباء.
والحديث عن «تقليل المخلفات» يرتبط بنظافة الشارع.
أما «إعادة الاستخدام» فتتحول إلى وسيلة لتوفير المال وتقليل الاستهلاك.
وهنا تصبح الاستدامة مفهومًا عمليًا، وليس مجرد مصطلح بيئي.
الاستدامة ليست رفاهية
توضح الأرقام أن البيئة أصبحت مرتبطة بكل تفاصيل الحياة تقريبًا.
فالنفايات لها تكلفة اقتصادية.
والطاقة لها تأثير مباشر على الإنتاج والاستهلاك.
والمدن تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب النمو السكاني.
كما أن تغير المناخ يفرض تحديات على الزراعة والمياه والصحة.
ولهذا لم تعد الاستدامة تعني حماية الأشجار فقط.
بل أصبحت تعني استخدام الموارد بكفاءة، وتقليل الهدر، وتحسين جودة الحياة.
هل نحتاج إلى تغيير الصورة؟
ربما لا تكون المشكلة في كلمة «البيئة» نفسها.
المشكلة في الصورة التي تراكمت حولها عبر سنوات من الاستخدام اليومي.
فالعالم يتعامل مع البيئة باعتبارها موردًا اقتصاديًا ومسؤولية اجتماعية.
وفي المقابل، ما زالت الكلمة تستخدم أحيانًا كأداة للسخرية.
وبين المعنيين مسافة كبيرة تحتاج إلى إعادة النظر.
فإذا كانت الاستدامة تبدأ بتغيير طريقة تعاملنا مع الموارد، فإنها قد تبدأ أيضًا بتغيير الطريقة التي نتحدث بها عن البيئة.
وفي النهاية، إذا كانت الكلمة التي يحاول العالم حمايتها أصبحت في بعض أحاديثنا اليومية إهانة، فربما حان الوقت لنسأل: هل المشكلة في البيئة.. أم في الصورة التي رسمناها لها؟













