سارعت البنوك المصرية (الحكومية والخاصة) خلال الأسبوعين الماضيين في رفع أسعار الفائدة على شهادات الادخار، رغم قرار البنك المركزي المصري تعليق دورة التيسير النقدي، ما أثار تساؤلات حول دوافع هذا السباق المتصاعد على السيولة وتوقيته.
اقرأ أيضًا:
مصر تضاعف إنتاج الألومنيوم إلى 600 ألف طن سنويًا بشراكة عالمية جديدة
تفسيرات المصرفيين ومحللي الاقتصاد الكلي لهذه التحركات جاءت متباينة؛ إذ يرى فريق أنها تمثل خطوة استباقية لاحتواء الضغوط التضخمية، تحسباً لاحتمال لجوء البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال الفترة المقبلة. خاصةً وسط الضغوط على العملة المحلية، ما سيمثل عملية تهدئة لتخارجات الأموال الساخنة.
في المقابل، يعتبر فريق آخر أن هذه الزيادات تأتي في إطار المنافسة بين البنوك على جذب المدخرات والحفاظ على قاعدة العملاء، مع الانتهاء من سداد استحقاقات الشهادات مرتفعة العائد، وعودة البنوك العامة إلى إعادة تسعير أو طرح أوعية ادخارية بعوائد مرتفعة.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه معدلات التضخم في مصر اتجاهاً صعودياً ملحوظاً، مدفوعة بعدة عوامل، من بينها ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتحريك أسعار الطاقة، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية والإقليمية.
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع معدل التضخم السنوي من نحو 10.1% في يناير إلى 13.4% في فبراير، بزيادة 3.3%، قبل أن يواصل صعوده في مارس مسجلاً نحو 15.2%، بزيادة إضافية قدرها 1.8%.
وفي منتصف أبريل الماضي، بادرت عدد من البنوك الكبرى، أبرزها الأهلي المصري ومصر والتجاري الدولي والقاهرة وكريدي أجريكول والتعمير والإسكان، إلى طرح شهادات ادخار جديدة أو إعادة هيكلة عوائد الشهادات القائمة، لترتفع العوائد إلى مستويات تتراوح بين 17.25% و17.50% للعائد الثابت، وتصل إلى 19% و19.5% للعائد المتغير.
مواجهة الضغوط التضخمية
قال العضو المنتدب ورئيس قطاع البحوث في شركة “سي آي كابيتال”، منصف مرسي، إن موجة رفع الفائدة على شهادات الادخار التي اتجهت إليها البنوك الأسابيع الماضية تعكس في الأساس منافسة على جذب السيولة والحفاظ على الحصص السوقية من ودائع العملاء.
وأضاف أن هذه التحركات ترتبط في الوقت نفسه باعتبارات أوسع، من بينها مواجهة الضغوط التضخمية، والحفاظ على مستوى عائد حقيقي موجب للمودعين، بما يتماشى مع مستويات التضخم الحالية والمتوقعة خلال الفترة المقبلة.
واتفق معه محلل أسواق المال هيثم فهمي، الذي أكد أن التحركات الأخيرة ترتبط بشكل رئيسي بالمنافسة بين البنوك على اجتذاب السيولة، خاصة مع استحقاق شهادات مرتفعة العائد، مشيراً إلى أن تقليص هوامش الربحية عبر رفع العوائد قد يدعم مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي في فترات تباطؤ النشاط الاقتصادي.
استعدادت حذرة
في المقابل يرى الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، محمد عبد العال، أن ماراثون رفع الفائدة الحالي لا يمكن اختزاله في مجرد منافسة تقليدية على السيولة، موضحاً أن القطاع المصرفي لا يعاني من نقص في السيولة في ظل استمرار نمو الودائع بوتيرة جيدة.
وأضاف عبد العال لـ”العربية Business” أن التوترات الجيوسياسية العالمية والإقليمية أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، بما دفع العديد من البنوك المركزية عالمياً، ومنها البنك المركزي المصري إلى تبني نهج أكثر حذراً في إدارة السياسة النقدية، عبر تعليق أو إبطاء دورة التيسير النقدي.
وبحسب عبد العال، فإن تعليق السياسة النقدية لا يعني تثبيتاً بالمعنى التقليدي، بل يمثل مساحة مرنة تسمح بالتدخل في أي اتجاه وفق تطورات البيانات الاقتصادية، موضحاً أن تحركات البنوك جاءت في إطار سياسة نقدية تقييدية غير مباشرة تهدف إلى الحفاظ على التوازن داخل السوق المصرفي.
متى يتحرك المركزي؟
ورجح منصف مرسي أن يواصل البنك المركزي تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، موضحاً أن سعر الفائدة الحقيقي يدور حالياً في حدود 4%، وهو مستوى يعتبر مناسباً للحفاظ على جاذبية الجنيه.
لكنه أشار إلى أن استمرار الضغوط التضخمية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، قد يدفع إلى إعادة النظر في السياسة النقدية باتجاه التشديد.
اقرأ أيضًا:
فيما رهن عبد العال أي تحرك لرفع الفائدة بوصول التضخم إلى مستويات تصل 20% بما يؤدي إلى تآكل العائد الحقيقي، بينما توقع استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات تتراوح بين 16% و16.5% خلال الفترة المقبلة.
من جانبه، أكد هيثم فهمي أن التضخم يظل العامل الحاسم في تحديد اتجاهات السياسة النقدية، متوقعاً استمرار حالة الحذر من جانب صناع القرار النقدي، في ظل عدم اليقين والتقلبات العالمية، بما يجعل قرارات الفائدة مرهونة بشكل أكبر بتطورات البيانات الاقتصادية الفعلية.















