كتبت:دينا عزالدين
لم تبدأ قصة فروع بنك مصر في الإمارات بقرار الاستحواذ الذي أُعلن عنه هذا الأسبوع.

القصة بدأت في نهاية أغسطس، عندما تحركت وزارة الخزانة الأمريكية ضد فرع بنك مصر في الإمارات، على خلفية اتهامات أمريكية مرتبطة بمعاملات قالت واشنطن إنها تصب في شبكات مالية مرتبطة بإيران.
وبعد أسابيع من المتابعة والتنسيق بين الجهات الرقابية في مصر والإمارات، ظهر تطور جديد.
فقد حصل البنك الأهلي المصري على موافقة مبدئية من مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي للاستحواذ على فروع بنك مصر في الإمارات.
وأعلن البنكان أن الخطوة تأتي ضمن إعادة ترتيب وجودهما المصرفي في الإمارات، مع التأكيد على استمرار الخدمات وحماية حقوق العملاء.
لكن ماذا حدث منذ البداية؟ ولماذا دخلت فروع بنك مصر في الإمارات دائرة الأزمة؟ وماذا يعني الاستحواذ المرتقب لأصحاب الحسابات والودائع؟
بداية الأزمة
في 28 أغسطس 2026، أعلنت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية FinCEN اقتراح إجراء تنظيمي يستهدف فرع بنك مصر في الإمارات.
الإجراء المقترح كان يهدف إلى منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة مصرفية لصالح بنك مصر في الإمارات.
كما تضمن الإجراء المقترح قيودًا على معالجة بعض المعاملات المرتبطة بالبنك عبر الحسابات المراسلة في الولايات المتحدة.
وأكدت FinCEN أن الإجراء المقترح يخص بنك مصر في الإمارات تحديدًا، ولا يمتد إلى عمليات بنك مصر في مصر أو الدول الأخرى التي يعمل بها.
ماذا قالت أمريكا؟
استندت وزارة الخزانة الأمريكية إلى ما وصفته بتحليل لمعاملات مرتبطة بشبكات مصرفية إيرانية.
وقالت الوزارة إن فرع بنك مصر في الإمارات عالج نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات، خلال الفترة من يناير 2024 حتى يونيو 2026.
وبحسب التقييم الأمريكي، يُحتمل أن تكون هذه الشركات جزءًا من شبكات مالية مرتبطة بإيران.
كما قالت الخزانة إن بعض عملاء الفرع شملوا شركات واجهة يُشتبه في استخدامها للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
وهذه التفاصيل تمثل تقييمًا واتهامات من الجانب الأمريكي، وليست حكمًا قضائيًا يثبت ارتكاب بنك مصر مخالفة جنائية.
ماذا رد بنك مصر؟
في اليوم التالي للإعلان الأمريكي، أوضح بنك مصر أن الإجراء الصادر عن الخزانة الأمريكية كان إخطارًا باقتراح قاعدة تنظيمية، وليس قرارًا نهائيًا.
وأشار البنك إلى أن الاقتراح يخضع لفترة رسمية لتلقي التعليقات ومراجعتها قبل إصدار أي قاعدة نهائية.
وأكد في الوقت نفسه التزامه بالقوانين والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها.
كما أوضح أن فرعه في الإمارات يواصل تقديم الخدمات المصرفية للعملاء وفق القواعد والإجراءات المعمول بها.
وشدد البنك على قوة وسلامة مركزه المالي والتزام فرعه في الإمارات بجميع التزاماته تجاه العملاء والأطراف ذات الصلة.
تحرك المركزي الإماراتي
بعد الإعلان الأمريكي، دخل مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي على خط الأزمة.
وأعلن البنك المركزي الإماراتي، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري، استمرار العمل والمتابعة بشأن فروع بنك مصر في الإمارات.
وفي 30 أغسطس، أكد البنكان المركزيان المصري والإماراتي استمرار التعاون والتنسيق الكامل والمستمر بشأن فروع بنك مصر.
كما أكدا أن الفروع تواصل أعمالها بصورة طبيعية، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة خلال الفترة المحددة في المسار التنظيمي الأمريكي.
وبذلك لم تتحول الأزمة إلى إغلاق فوري للفروع أو توقف شامل للخدمات المصرفية.
بل استمرت الفروع في العمل بالتوازي مع الإجراءات الرقابية والمراجعات التي أعقبت التحرك الأمريكي.
الفحص الإماراتي
وتزامن ذلك مع مراجعة عاجلة لعمليات بنك مصر في الإمارات من جانب السلطات الإماراتية.
ووفق تقارير عن التطورات آنذاك، شملت المراجعة فحص العمليات والمعاملات محل الاهتمام الرقابي.
وجاء ذلك في إطار التعامل مع المخاطر التنظيمية المرتبطة بالقطاع المصرفي الإماراتي والالتزام بالقواعد المحلية والدولية.
وفي الوقت نفسه، ظلت فروع بنك مصر في الإمارات تعمل بصورة طبيعية وفق البيانات الرسمية الصادرة وقتها.
لماذا جاء الاستحواذ؟
بعد هذه التطورات، جاء الإعلان الأهم في 22 سبتمبر.
فقد أعلن بنك مصر والبنك الأهلي المصري حصول الأخير على موافقة مبدئية من مصرف الإمارات المركزي للاستحواذ على فروع بنك مصر في دولة الإمارات.
ووصف البنكان الخطوة بأنها إعادة ترتيب وتكامل للوجود المصرفي المصري في السوق الإماراتية.
كما أكدا أن استكمال العملية سيخضع للمتطلبات القانونية والإجرائية في الإمارات.
وبالتالي، فإن الموافقة الحالية ليست إعلانًا عن اكتمال الاستحواذ بصورة نهائية، وإنما خطوة مبدئية ضمن مسار تنظيمي يجب استكماله.
ماذا سيحدث للعملاء؟
هنا تبرز النقطة الأكثر أهمية لأصحاب الحسابات والودائع.
فالبيان المشترك للبنكين أكد أن عملية الانتقال ستتم بصورة منظمة وسلسة.
كما نص على استمرار الخدمات المقدمة للعملاء، مع الحفاظ على مصالحهم وحقوقهم في الإمارات.
وأكد البنكان كذلك أن استكمال الانتقال سيكون بالتنسيق مع مصرف الإمارات المركزي والجهات المختصة، مع الالتزام بحماية حقوق العملاء وجميع الأطراف المتعاملة مع البنكين.
وبالتالي، لا توجد في البيانات الرسمية التي صدرت حتى الآن إشارة إلى تجميد أرصدة العملاء أو ضياعها بسبب الاستحواذ.
كما أن الأزمة لم تؤدِ، وفق البيانات الرسمية، إلى توقف الخدمات المصرفية للفروع.
لكن في المقابل، تفاصيل آلية نقل الحسابات والأرصدة والمنتجات المصرفية إلى الكيان المستحوذ لم تُعلن بالكامل حتى الآن، لأنها مرتبطة باستكمال الإجراءات التنظيمية والعملية للانتقال.
الخدمات المصرفية مستمرة
وفي هذا السياق، يرى الخبير المصرفي الدكتور هاني أبو الفتوح أن الاستحواذ المرتقب لا يعني إغلاق حسابات عملاء بنك مصر في الإمارات أو المساس بحقوقهم.
وأوضح أن البنكين مصريان، وأن عملية الانتقال، حال استكمالها، تتم بالتنسيق مع مصرف الإمارات المركزي والجهات المختصة في مصر والإمارات.
وأضاف أن الخدمات المصرفية يفترض أن تستمر بصورة طبيعية، مع بقاء حقوق العملاء والتزامات البنك تجاههم محفوظة.
هل الأزمة انتهت؟
الاستحواذ المبدئي لا يعني أن ملف الأزمة انتهى بالكامل.
فالإجراء الأمريكي الذي بدأ في أغسطس كان مقترحًا تنظيميًا، وله مسار قانوني وإجرائي مستقل.
وفي المقابل، بدأت مصر والإمارات مسارًا مصرفيًا مختلفًا لإعادة ترتيب وجود بنكَي الدولة في السوق الإماراتية.
ومن ثم، أصبح المسار الحالي قائمًا على انتقال منظم للأعمال المصرفية، بالتنسيق مع الجهات الرقابية الإماراتية والمصرية.
ماذا عن الدولار؟
كان الوصول إلى خدمات المراسلة المصرفية بالدولار الأمريكي هو جوهر الإجراء الأمريكي المقترح.
ووفق الخزانة الأمريكية، فإن الإجراء كان يستهدف قدرة فرع بنك مصر في الإمارات على التعامل عبر المؤسسات المالية الأمريكية وحسابات المراسلة.
لكن هذا الإجراء كان متعلقًا بفرع الإمارات، وليس جميع عمليات بنك مصر حول العالم.
وهنا يجب الفصل بين أمرين.
الأول هو الإجراء الأمريكي المقترح ضد فرع بنك مصر في الإمارات.
والثاني هو الاستحواذ المرتقب من البنك الأهلي المصري على الفروع.
فالاستحواذ جاء في إطار إعادة ترتيب الوجود المصرفي، بينما لم يذكر البيان المشترك للبنكين العقوبات الأمريكية باعتبارها سببًا مباشرًا للعملية.
ماذا يعني الاستحواذ؟
من الناحية العملية، يستهدف الترتيب الجديد دمج الوجود المصرفي المصري في الإمارات بصورة أكثر تكاملًا.
وبحسب البيان الرسمي، يركز الطرفان على انتقال الأعمال بصورة منظمة، واستمرار الخدمات، وحماية حقوق العملاء.
كما يتطلع البنك الأهلي المصري إلى بناء علاقة مصرفية ومؤسسية طويلة الأمد مع دولة الإمارات ومؤسساتها الرقابية والمصرفية.
وبذلك، لا تدور القصة فقط حول انتقال فروع من بنك مصري إلى آخر.
فالأزمة بدأت بإجراء أمريكي مقترح يتعلق بالمراسلة المصرفية بالدولار، ثم تحركت الجهات الرقابية المصرية والإماراتية، قبل أن تصل إلى اتفاق مبدئي لإعادة ترتيب الوجود المصرفي المصري في الإمارات.
التنسيق بين البنكين المركزيين
بدأت أزمة بنك مصر في الإمارات في أغسطس بإجراء تنظيمي أمريكي مقترح، استند إلى اتهامات بشأن معاملات مرتبطة بشبكات مالية إيرانية.
ورد بنك مصر بالتأكيد على التزامه بالقواعد الرقابية، واستمرار خدمات فرعه في الإمارات.
ثم أكدت مصر والإمارات استمرار عمل الفروع والتنسيق بين البنكين المركزيين.
وفي 22 سبتمبر، حصل البنك الأهلي المصري على موافقة مبدئية من مصرف الإمارات المركزي للاستحواذ على فروع بنك مصر في الإمارات.
أما بالنسبة للعملاء، فالرسالة الرسمية حتى الآن واضحة: استمرار الخدمات، وانتقال منظم، وحماية الحقوق والمصالح.
لكن التفاصيل التنفيذية الخاصة بآلية انتقال الحسابات والأرصدة والمنتجات المصرفية ستتضح مع استكمال الإجراءات التنظيمية للاستحواذ.












