بدأ جهاز شؤون البيئة تلقي عروض الشركات والبنوك والكيانات الحكومية لشراء شهادات خفض الانبعاثات الكربونية المعتمدة من الأمم المتحدة والمملوكة للدولة.
في خطوة تستهدف تحقيق عائد اقتصادي من أرصدة الكربون الناتجة عن المشروعات القومية، وإتاحة آلية للشركات لتعويض جزء من بصمتها الكربونية، خاصة المنشآت المصدرة التي تواجه متطلبات متزايدة لخفض الانبعاثات في الأسواق الخارجية.

ووفقًا للمعلومات المعلنة، يستمر تلقي عروض الشراء حتى 31 أكتوبر الجاري، على أن يتم تخصيص الشهادات بأسبقية الحجز وحتى نفاد الكميات المطروحة، فيما تمثل هذه الخطوة المرة الأولى التي تتيح فيها الدولة شراء هذه الشهادات مباشرة، بعدما احتفظت بها لاستخدامها في دعم جهود تحقيق الحياد الكربوني لبعض المشروعات القومية.
ويشمل الطرح حصة الحكومة من شهادات خفض الانبعاثات التي حققتها مشروعات قومية خلال السنوات الماضية، مع إتاحة شرائها أمام الجهات المحلية والدولية، بما يفتح المجال أمام الاستفادة الاقتصادية من الأرصدة الكربونية التي تمتلكها الدولة.
شهادات الكربون تدعم تنافسية الصادرات المصرية
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة في ظل تشديد المشترين الدوليين متطلبات الاستدامة والحد من الانبعاثات الكربونية على الموردين، وهو ما يضع الشركات الصناعية المصدرة أمام ضرورة تطوير عمليات الإنتاج وخفض البصمة الكربونية لمنتجاتها للحفاظ على قدرتها التنافسية.
وتتيح شهادات الكربون للشركات تعويض جزء من انبعاثاتها التي يصعب خفضها بصورة مباشرة، من خلال شراء أرصدة معتمدة وإلغائها رسميًا مقابل الانبعاثات المستهدفة، بما قد يوفر بديلًا أقل تكلفة لبعض المنشآت مقارنة بالاستثمار الفوري في مشروعات ضخمة للطاقة المتجددة أو تحديث خطوط الإنتاج.
وتعادل الشهادة الواحدة خفض طن واحد من ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادله من الغازات الدفيئة الأخرى، وتحمل اسم شهادات خفض الانبعاثات المعتمدة، التي صدرت لمشروعات في الدول النامية ضمن آلية التنمية النظيفة التابعة للأمم المتحدة.
وبعد شراء الشهادات وإلغائها، يحصل المستفيد على شهادة إلغاء طوعي رسمية صادرة عن الأمم المتحدة باسمه، بما يمنع إعادة احتساب الخفض نفسه، دون الحاجة إلى نقل ملكية الشهادات أو فتح حساب دولي، وفقًا للمعلومات المعلنة من جهاز شؤون البيئة.
عروض مالية وفنية دون سعر استرشادي
ولم يحدد جهاز شؤون البيئة سعرًا استرشاديًا للشهادات المطروحة، إذ يحق للجهات الراغبة في الشراء تقديم أسعارها المقترحة، على أن تتم مقارنة العروض بمستويات الأسعار العالمية بهدف تحقيق أفضل عائد ممكن للدولة من هذه الأرصدة.
كما لم يُعلن الجهاز حتى الآن عن إجمالي عدد الشهادات المتاحة للبيع، وهو ما يجعل نتائج الطرح المرتقبة مؤشرًا مهمًا على حجم الطلب المحلي والدولي على شهادات الكربون الحكومية.
وتتضمن إجراءات التقديم تسليم مظروفين مغلقين بمقر جهاز شؤون البيئة في العاصمة الجديدة؛ يشمل الأول العرض الفني والمستندات القانونية للجهة المتقدمة، والكمية المطلوبة بالطن المكافئ لثاني أكسيد الكربون، والفترة الزمنية التي تغطيها الكمية، إلى جانب الاسم الدقيق للشركة أو المشروع أو الحدث المطلوب إصدار شهادة الإلغاء الطوعي لصالحه.
ويضم المظروف الثاني العرض المالي، متضمنًا السعر المقترح لشراء الطن الواحد، والعملة المستخدمة، وإجمالي قيمة العرض، مع اشتراط سداد كامل المبلغ مقدمًا لإتمام عملية الشراء.
مهلة أممية تسرّع إجراءات بيع الشهادات
ويأتي الطرح في ظل اقتراب انتهاء العمل بآلية التنمية النظيفة التابعة للأمم المتحدة بنهاية العام الجاري، إذ يستمر سجل الأمم المتحدة في إلغاء الشهادات المستخدمة حتى 31 ديسمبر 2026، بينما يقتصر ضمان معالجة الطلبات على الطلبات المقدمة بحلول 25 نوفمبر، وفقًا للمعلومات الواردة بشأن الطرح.
وتفرض هذه المواعيد إطارًا زمنيًا ضيقًا أمام الشركات الراغبة في الاستفادة من الشهادات، ما يجعل سرعة تقديم العروض واستكمال إجراءات الشراء والإلغاء عاملًا أساسيًا للاستفادة منها قبل انتهاء المهلة المحددة.
شهادات الكربون لا تعفي من رسوم الحدود الأوروبية
ورغم أهمية الشهادات في تعويض جزء من الانبعاثات، فإنها لا تُقبل بديلًا عن الخفض الفعلي للانبعاثات المطلوب بموجب آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، التي تستهدف الحد من الانبعاثات المرتبطة بالسلع المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي.
وتشمل القطاعات الخاضعة للآلية الأسمنت والحديد والصلب والألومنيوم والأسمدة والكهرباء والهيدروجين، ما يزيد الضغوط على المصنعين المصريين المعتمدين على التصدير إلى الأسواق الأوروبية لخفض الانبعاثات الفعلية وتحسين كفاءة الإنتاج.
وتشير تقديرات دراسات وزارة البيئة إلى احتمال تكبد المصنعين المحليين نحو 317 مليون دولار سنويًا إذا لم يتمكنوا من خفض انبعاثاتهم الكربونية، منها نحو 236 مليون دولار بقطاع الحديد والصلب وحده.
اختلاف بين الشهادات الحكومية والسوق الطوعية
ولا يندرج الطرح الحكومي ضمن سوق الكربون الطوعية بالبورصة المصرية، إذ تختلف الشهادات المطروحة من حيث مصدرها وآلية إصدارها عن الأرصدة المتداولة في السوق المحلية، والتي ترتبط بمشروعات خفض الانبعاثات التي تنفذها الشركات وفق القواعد المنظمة.
وشهدت سوق الكربون الطوعية المصرية بداية محدودة، مع تنفيذ 6 صفقات بإجمالي 6 آلاف شهادة منذ تأسيسها في أغسطس 2024، إلا أن متطلبات تنظيمية جديدة قد تدعم نشاطها خلال الفترة المقبلة.
وتلزم قواعد الهيئة العامة للرقابة المالية الشركات المالية غير المصرفية التي يتجاوز رأس مالها المصدر أو صافي حقوق ملكيتها 100 مليون جنيه بتعويض 20% من انبعاثاتها المبلغ عنها من خلال السوق، على أن يبدأ الالتزام بحلول 31 ديسمبر 2026.
ومن المنتظر أن تتضح نتائج الطرح الحكومي بعد إغلاق باب تلقي العروض في 31 أكتوبر الجاري، إذ إن إعلان حجم الشهادات المباعة ومتوسطات الأسعار سيقدم مؤشرًا أوليًا على القيمة السوقية لأرصدة الكربون الحكومية ومدى إقبال الشركات والمصدرين على شرائها.











