من فرز المخلفات وترشيد المياه والطاقة إلى تقليل هدر الطعام وإعادة الاستخدام.. كيف يمكن أن تتحول سنوات الطفل الأولى إلى بداية حقيقية لبناء سلوك مستدام؟

قد يبدو مشهدًا بسيطًا داخل فصل لرياض الأطفال: طفلة تحمل زجاجة بلاستيكية فارغة، وتقف أمام عدة صناديق ملونة، قبل أن تتوقف لحظة لتقرر أين تضعها.

تخبرها المعلمة أن البلاستيك له صندوق، والورق له صندوق آخر، بينما تذهب بقايا الطعام إلى مكان مختلف.
بالنسبة إلى الطفلة، قد يبدو الأمر في البداية لعبة تعتمد على الألوان والصور. لكن في الحقيقة، يمكن أن يكون هذا المشهد البسيط أول احتكاك عملي بمفهوم أكبر بكثير: الاستدامة.
فالطفل يتعلم منذ سنواته الأولى أن ما نستهلكه لا يختفي بمجرد أن نلقيه في سلة القمامة، وأن لكل سلوك يومي أثرًا يمكن أن يمتد إلى البيئة والمجتمع.
ومن هنا يمكن أن تبدأ «كي جي وان استدامة»؛ ليس باعتبارها مادة دراسية جديدة، وإنما باعتبارها مجموعة من العادات اليومية التي يراها الطفل ويمارسها ويفهم معناها تدريجيًا.
1- صندوق القمامة.. أول درس في الفرز
الاستدامة بالنسبة إلى طفل في الرابعة أو الخامسة لا تحتاج إلى تعريفات معقدة عن تغير المناخ أو الاقتصاد الدائري.
يمكن أن تبدأ بسؤال بسيط:
«أرمي الحاجة دي فين؟»
عندما يتعلم الطفل التمييز بين المخلفات، فإنه يتعرف عمليًا على فكرة «الفرز من المصدر»، وهي خطوة أساسية في التعامل مع المخلفات وإعادة تدوير المواد القابلة للاستفادة.
وتزداد أهمية هذه العادة عندما تطبقها المدرسة فعليًا، بحيث لا يكون اختلاف ألوان الصناديق مجرد ديكور، ثم تختلط المخلفات بعد ذلك في كيس واحد.
وبحسب البنك الدولي، ينتج العالم حاليًا نحو 2.01 مليار طن من المخلفات البلدية سنويًا، ومن المتوقع أن ترتفع الكمية إلى 3.4 مليار طن بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
كما يشير التقرير إلى أن ما لا يقل عن ثلث المخلفات عالميًا لا يُدار بطريقة آمنة بيئيًا.
وقد تبدو هذه الأرقام ضخمة بالنسبة إلى طفل في KG1. ومع ذلك، فهي تفسر لماذا يمكن أن يكون السلوك الصغير مهمًا.
فالهدف ليس أن يحفظ الطفل أسماء أنواع المخلفات، وإنما أن يفهم مبكرًا أن الاستهلاك له نتيجة، والتخلص من الأشياء له نتيجة أيضًا.
2- هل يتعلم الطفل الألوان أم الفكرة؟
هنا يظهر التحدي الحقيقي.
فيمكن للطفل أن يحفظ أن الصندوق الأصفر للبلاستيك والأزرق للورق، لكنه قد لا يعرف السبب.
والاستدامة لا تنجح إذا تحولت إلى مجموعة من الأوامر المحفوظة.
وفي المقابل، يمكن أن يصبح التعلم أكثر تأثيرًا عندما يمارس الطفل السلوك بنفسه.
فقد راجعت دراسة منهجية 66 دراسة بحثية حول التعليم البيئي في مرحلة الطفولة المبكرة، ووجدت نتائج إيجابية في مجالات، من بينها الوعي البيئي والتطور المعرفي والاجتماعي والعاطفي.
كما أشارت إلى أهمية اللعب والتفاعل والحركة والوجود في بيئات غنية بالطبيعة.
ولهذا، قد يتعلم الطفل الاستدامة بشكل أفضل عندما يمارسها، لا عندما يسمع عنها فقط.

3- من صندوق القمامة إلى صنبور المياه
بعد أن يتعلم الطفل أن لكل مخلف مكانًا، يأتي سؤال آخر لا يقل أهمية:
«ليه مانسيبش الحنفية مفتوحة؟»
ويمكن أن يتحول ترشيد المياه إلى عادة يومية داخل المدرسة، من خلال إغلاق الصنبور بعد الاستخدام، وعدم ترك المياه تتدفق دون حاجة، واستخدام المياه بطريقة مسؤولة.
وفي مصر، لا يتعلق الأمر فقط بتعليم سلوك بيئي جيد.
فتوضح بيانات اليونيسف أن مصر تواجه تحديات مرتبطة بأمن المياه، بينما تشير بياناتها الخاصة بمؤشرات أهداف التنمية المستدامة إلى أن 99% من السكان استخدموا خدمات مياه شرب أساسية في 2022، و98% استخدموا خدمات صرف صحي أساسية.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي المُدارة بأمان أقل من ذلك، وهو ما يعكس الفرق بين مجرد الوصول إلى الخدمة وبين جودتها واستدامتها.
كما تؤكد اليونيسف أن تعليم الأطفال ممارسات المياه والصرف الصحي والنظافة في المدارس يمكن أن يساعد في ترسيخ سلوكيات إيجابية تمتد إلى المنزل والمجتمع.
وهنا يتحول إغلاق الصنبور من مجرد «تعليمات نظافة» إلى درس مبكر في إدارة مورد طبيعي.
4- النور الذي لا يحتاجه أحد
ثم يأتي دور الكهرباء.
يمكن أن يصبح إطفاء النور عند مغادرة الفصل، وعدم تشغيل الأجهزة دون حاجة، جزءًا من الروتين اليومي للطفل.
لكن الفكرة مرة أخرى ليست أن نشرح له تفاصيل إنتاج الكهرباء أو الانبعاثات.
ويتعلم ببساطة أن الطاقة مورد نستخدمه عندما نحتاج إليه، وليس شيئًا يجب أن يعمل بلا توقف.
وهنا تصبح المدرسة نفسها جزءًا من الدرس.
فإذا كانت المدرسة تطلب من الطفل ترشيد الكهرباء، بينما تظل الإضاءة والأجهزة تعمل دون حاجة، فإن الرسالة العملية التي يتلقاها الطفل تختلف عن الرسالة التي يسمعها في الفصل.
وهذا هو جوهر ما تسميه اليونسكو نهج «المدرسة الخضراء».
فالاستدامة، وفق هذا النهج، لا تكون مادة دراسية منفصلة، بل تمتد إلى التدريس والمباني والتشغيل والإدارة والشراكة مع المجتمع.
5- «خد على قدك»
في وقت الغداء، يمكن أن تبدأ حكاية أخرى.
قد يأخذ طفل كمية أكبر مما يستطيع تناوله، ثم يترك جزءًا من وجبته.
وهنا يمكن أن يتحول سؤال بسيط مثل:
«أنت هتاكل كل ده؟»
إلى بداية لتعليم الطفل معنى الهدر.
والمشكلة بالطبع أكبر بكثير من بقايا سندوتش في صندوق الغداء.
فبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أهدر العالم في عام 2022 نحو 1.05 مليار طن من الطعام على مستوى الأسر وخدمات الطعام والتجزئة، وهو ما يعادل نحو خُمس الغذاء المتاح للمستهلكين.
وكانت الأسر مسؤولة وحدها عن نحو 631 مليون طن، أي حوالي 60% من إجمالي هدر الطعام.
كما يرتبط هدر الطعام بنحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا.
لذلك، فإن تعليم الطفل أن يأخذ الكمية التي يحتاجها ليس مجرد سلوك جيد على مائدة الطعام.
إنه تدريب مبكر على مفهوم الاستهلاك المسؤول.

6- هل كل شيء يحتاج إلى أن يكون جديدًا؟
داخل الفصل، يمكن أن تبدأ الاستدامة من سؤال آخر:
«هل نحتاج فعلًا إلى شراء خامة جديدة لكل نشاط؟»
فكرتون قديم يمكن أن يتحول إلى مجسم.
أما الورقة التي استُخدم أحد جانبيها، فيمكن استخدامها في الرسم.
ويمكن تحويل علبة إلى أداة تعليمية.
كما يمكن أن تدخل زجاجة بلاستيكية في نشاط فني أو تعليمي.
لكن المغزى هنا ليس تحويل الفصل إلى «مصنع تدوير».
الفكرة ببساطة هي تعريف الطفل بأن الشيء الذي انتهى استخدامه الأول قد لا يكون انتهى تمامًا.
وبهذه الطريقة، يمكن أن يتعرف الطفل على فكرة إعادة الاستخدام قبل الوصول إلى مرحلة التخلص من الأشياء.
7- وماذا عن الألعاب؟
هنا تصبح الاستدامة أكثر تعقيدًا.
فالطفل يتعلم ألا يهدر الطعام، وألا يترك المياه مفتوحة، وأن يفصل المخلفات، لكنه يعيش في الوقت نفسه داخل ثقافة استهلاك تدفعه باستمرار إلى شراء المزيد.
لذلك يمكن للمدرسة أن تطرح سؤالًا أبعد:
«هل نحتاج لعبة جديدة كل مرة، أم يمكن أن نستخدم اللي عندنا بشكل مختلف؟»
ولا تعني الفكرة حرمان الطفل من اللعب أو من شراء الألعاب.
بل يمكن أن يتعلم تدريجيًا الفرق بين الاحتياج والرغبة، وبين استخدام الشيء والاستغناء عنه لمجرد ظهور بديل جديد.
وبالتالي، تتحول الاستدامة من موضوع بيئي فقط إلى سلوك يرتبط أيضًا بالاقتصاد والاستهلاك.
8- نبتة صغيرة.. وفكرة أكبر
يمكن لزراعة نبتة داخل الفصل أو في فناء المدرسة أن تكون من أبسط دروس الاستدامة.
يضع الطفل البذرة، ثم يسقيها، ويراقب نموها، ويتعلم أن الطبيعة لا تعمل بالسرعة التي يريدها.
إنها تجربة تعلمه المسؤولية والانتظار والملاحظة.
وفي الوقت نفسه، تجعله يرى العلاقة بين الماء والتربة والنبات والحياة، بدلًا من أن تكون البيئة مجرد صورة في كتاب.
وتدعم الدراسات هذا النوع من التعلم.
فالمراجعة المنهجية للتعليم البيئي في الطفولة المبكرة وجدت أن غالبية الدراسات التي راجعتها، 54 من أصل 66 دراسة، أي 83%، تضمنت وقتًا في الطبيعة أو بيئات غنية بالعناصر الطبيعية.
كما شهدت مصر بحثًا تناول استخدام البيئة الخارجية للمدرسة كأداة لدمج التعليم من أجل التنمية المستدامة في رياض الأطفال، بما يعكس إمكانية تحويل مساحة المدرسة نفسها إلى جزء من عملية التعلم.

9- المدرسة.. هل تطبق ما تعلمه؟
لكن يبقى السؤال الأصعب:
هل المدرسة نفسها مستدامة؟
لا يمكن أن نطلب من الطفل فصل المخلفات إذا لم تكن هناك منظومة حقيقية للفصل.
كما لا يمكن أن نعلمه ترشيد المياه بينما توجد تسريبات أو صنابير مهدرة.
كذلك، لا يمكن أن نتحدث معه عن تقليل استخدام البلاستيك بينما تعتمد المدرسة على المنتجات أحادية الاستخدام في كل تفاصيل يومه.
وفي المقابل، لا يمكن أن نطلب منه المحافظة على الطبيعة بينما لا يجد مساحة خضراء أو فرصة حقيقية للتعامل معها.
فالطفل لا يتعلم فقط مما تقوله المعلمة.
بل يتعلم أيضًا مما يراه يحدث أمامه كل يوم.
ولهذا تؤكد اليونسكو في توجهاتها الحديثة بشأن «تخضير التعليم» أن الاستدامة ينبغي أن تمتد من مرحلة ما قبل المدرسة إلى المراحل التعليمية المختلفة.
كما ينبغي أن تشمل المناهج والممارسات التعليمية، إلى جانب سلوك المؤسسة نفسها.
10- البيت.. هو الامتحان الحقيقي
يمكن لطفل أن يتعلم في المدرسة أن زجاجة المياه البلاستيكية لها صندوق معين، ثم يعود إلى المنزل ليضعها في سلة واحدة مع بقايا الطعام.
وقد يتعلم إغلاق الصنبور، بينما يرى المياه تُهدر في المنزل.
كما يمكن أن يتعلم ألا يهدر الطعام، بينما يُطلب منه في المنزل أن يملأ طبقه بأكثر مما يحتاج.
هنا لا تصبح المشكلة في الطفل، وإنما في الرسائل المتناقضة من حوله.
ولهذا تشير خبرات اليونيسف إلى أهمية انتقال ممارسات النظافة والمياه من المدرسة إلى المنزل والمجتمع.
كما يمكن لبرامج التوعية أن تستخدم الأطفال كحلقة وصل بين المدرسة والأسرة.
وبالتالي، فإن الاستدامة التي يتعلمها الطفل في الفصل تحتاج إلى أن يجد لها ترجمة واضحة في البيت.
لا نحتاج «طفلًا خبيرًا في البيئة»
في النهاية، ليس الهدف أن يعرف طفل KG1 معنى «الحياد الكربوني» أو «الاقتصاد الدائري».
كما أننا لا نحتاج إلى تحويل الحضانة إلى مؤتمر للمناخ.
المطلوب أبسط من ذلك بكثير.
طفل يعرف أن المياه ليست لعبة.
كما أن الطعام لا يُهدر.
ويمكن إطفاء النور.
كذلك، يمكن استخدام الورقة مرة أخرى.
أما الزجاجة البلاستيكية، فليست مثل بقايا الطعام.
والشجرة كائن يحتاج إلى رعاية.
أما الأشياء التي نستهلكها، فلا تختفي بمجرد أن نضعها في سلة القمامة.
هذه السلوكيات الصغيرة هي التي يمكن أن تبني، مع الوقت، ثقافة أكبر للاستهلاك المسؤول.
وتدعم الأدلة العلمية هذا الاتجاه؛ فقد خلص تحليل شمولي شمل 169 دراسة و176,007 مشاركين في 43 دولة إلى أن برامج التعليم البيئي حسّنت المعرفة والاتجاهات والنوايا والسلوك البيئي، مع اختلاف حجم التأثير بين البرامج.
من «ارمي هنا» إلى «فكر قبل أن ترمي»
ربما يكون صندوق القمامة أول مكان يختبر فيه الطفل معنى الاستدامة، لكنه بالتأكيد ليس المكان الأخير.
فمن الصندوق ينتقل إلى صنبور المياه.
ثم ينتقل من الصنبور إلى مفتاح الكهرباء.
بعد ذلك، يصل من صندوق الغداء إلى فكرة عدم إهدار الطعام.
أما الورقة القديمة، فتقوده إلى إعادة الاستخدام.
ومن النبتة الصغيرة إلى فهم الطبيعة.
ثم من المدرسة إلى البيت.
وهكذا لا تصبح الاستدامة درسًا يذاكره الطفل، وإنما مجموعة عادات يعيشها كل يوم.
وفي النهاية، لا يكون السؤال الحقيقي: هل يستطيع طفل KG1 أن يفهم الاستدامة؟
بل السؤال الأهم:
هل نستطيع نحن الكبار أن نبني له بيئة تجعله يمارسها كل يوم؟















