لم يعد سؤال «هل المرتب يكفي؟» مجرد نقاش عابر داخل البيوت المصرية، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بتفاصيل الحياة اليومية.

فمع كل شهر، تتوزع دخول الأسر بين الطعام، والفواتير، والمواصلات، والتعليم، والعلاج، وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وفي المقابل، تكشف تقديرات حديثة أن تكلفة سلة المعيشة الأساسية لأسرة حضرية مكونة من 4 أفراد تتجاوز 32 ألف جنيه شهريًا.
لكن الرقم لا يعني أن كل أسرة مصرية تنفق هذا المبلغ فعلًا. وإنما يعكس تكلفة سلة مرجعية للاحتياجات الأساسية وفق الدراسة.
الأسعار تحت الضغط
وتأتي هذه التقديرات في وقت لا تزال فيه الأسعار تمثل ضغطًا واضحًا على ميزانيات الأسر.
وبحسب أحدث بيانات البنك المركزي المصري، سجل التضخم العام للحضر 14.5% على أساس سنوي خلال أغسطس 2026.
وفي الوقت نفسه، بلغ التضخم الأساسي 14.9% خلال الشهر نفسه.
ورغم تراجع التضخم العام مقارنة بيوليو، فإن استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار يعني أن الأسرة لا تتعامل مع أسعار ما قبل سنوات.
وبالتالي، أصبح الحفاظ على مستوى المعيشة نفسه يحتاج إلى دخل أكبر.
أين يذهب المرتب؟
وتشير دراسة لبيت الخبرة البرلماني لحزب العدل إلى أن تكلفة سلة المعيشة الأساسية لأسرة حضرية من 4 أفراد بلغت 32 ألفًا و51 جنيهًا شهريًا.
كما قدرت الدراسة متوسط تكلفة المعيشة للفرد بنحو 8 آلاف و13 جنيهًا شهريًا.
وأوضحت أن نحو 69.5% من ميزانية الأسرة تذهب إلى 4 بنود رئيسية، هي الغذاء والسكن والتعليم والنقل.
وهنا تظهر الفجوة بين الدخل والاحتياجات.
فحتى قبل الحديث عن الترفيه أو السفر أو الادخار، تستحوذ البنود الأساسية على الجزء الأكبر من الميزانية.
الفواتير تنافس الطعام
ولا تتوقف الضغوط عند أسعار الغذاء.
فبحسب رصد حديث، تحتاج أسرة مكونة من 4 أفراد إلى نحو 1060 جنيهًا شهريًا كحد أدنى للكهرباء والمياه والغاز والإنترنت.
ومع زيادة استهلاك الكهرباء خلال الصيف، يمكن أن تتجاوز تكلفة تشغيل المنزل 1500 جنيه شهريًا.
وبذلك، يذهب جزء من الدخل إلى خدمات لا تستطيع الأسرة الاستغناء عنها.
وفي المقابل، تضطر الأسرة إلى إعادة توزيع ما يتبقى بين الطعام والتعليم والمواصلات والعلاج.
ماذا يقول المواطنون؟
وتعكس تجارب المواطنين صورة أكثر مباشرة لضغوط المعيشة.
تقول رحاب محمود، ربة منزل، إن أسعار الطعام أصبحت من أكثر البنود إرهاقًا للميزانية.
وتوضح أن الزيادات المتكررة في السلع الأساسية تجعل ضبط مصروف البيت أكثر صعوبة.
أما عمرو هشام، موظف، فيقول إن الجزء الأكبر من راتبه يذهب إلى الطعام والفواتير.
وتشير رانيا سامح، موظفة، إلى أن المواصلات تستحوذ على جزء كبير من دخلها بسبب التنقل اليومي.
ومن ناحية أخرى، ترى هبة سامح، ولية أمر، أن مصروفات التعليم والدروس أصبحت بندًا يحتاج إلى ميزانية مستقلة.
بينما يقول عماد ممدوح إن أسرته أصبحت تؤجل بعض الاحتياجات غير الضرورية لتوفير النفقات الأساسية.
وتكشف هذه الشهادات اختلاف تفاصيل الإنفاق من أسرة إلى أخرى، لكنها تتفق على نقطة واحدة، وهي زيادة الضغط على الدخل الشهري.
سرعة ارتفاع الأسعار
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقيمة المرتب.
وأوضح أن سرعة ارتفاع الأسعار أدت إلى تآكل جزء من القوة الشرائية للدخل.
وأشار إلى أن الزيادات في الأجور لا تظهر آثارها كاملة على حياة الأسر عندما تواجهها زيادات متتالية في تكاليف المعيشة.
كما قال إن كثيرًا من الأسر تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء والتعليم والصحة.
وبحسب رؤيته، تغير نمط إنفاق الأسر من الإنفاق المرن إلى التركيز على الاحتياجات الضرورية.
كما يدفع ارتفاع الأعباء بعض الأسر إلى البحث عن مصادر دخل إضافية لمواجهة المصروفات.
الحد الأدنى للدخل
وفي يوليو 2026، بدأت الدولة تطبيق الزيادة الجديدة في أجور العاملين بها، ليرتفع الحد الأدنى للدخل إلى 8 آلاف جنيه شهريًا.
وقال وزير المالية أحمد كجوك إن الزيادة تضمنت علاوة دورية وحافزًا إضافيًا بقيمة 750 جنيهًا شهريًا لجميع العاملين.
لكن مقارنة هذا الرقم بتقديرات تكلفة المعيشة تكشف أن الراتب وحده لا يعكس بالضرورة القدرة الفعلية للأسرة على تغطية جميع احتياجاتها.
كما تختلف الصورة من أسرة إلى أخرى بحسب عدد أفرادها، والسكن، والتعليم، ومكان الإقامة، ووجود دخل إضافي من عدمه.
المرتب يكفي ماذا؟
في النهاية، لا توجد قيمة واحدة يمكن اعتبارها «مرتبًا كافيًا» لكل الأسر.
فالأسرة التي تمتلك مسكنًا دون إيجار تختلف عن الأسرة التي تدفع إيجارًا شهريًا.
وكذلك تختلف أسرة لديها طفلان في التعليم الحكومي عن أسرة تتحمل مصروفات مدارس ودروس ومواصلات.
لكن الأرقام الحديثة، إلى جانب شهادات المواطنين، تكشف بوضوح أن الجزء الأكبر من الدخل يذهب إلى الاحتياجات الأساسية.
وهكذا، لم يعد السؤال فقط: «كم يبلغ المرتب؟».
بل أصبح السؤال الأهم: كم يتبقى من المرتب بعد دفع تكلفة الحياة الأساسية؟












