تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى مدينة جنيف السويسرية، خلال الفترة من 16 إلى 20 نوفمبر 2026، حيث تنعقد أعمال المؤتمر الدولي الأول للإطار العالمي بشأن المواد الكيميائية، تحت شعار «من أجل كوكب خالٍ من الضرر الناجم عن المواد الكيميائية والنفايات».
بمشاركة الحكومات وممثلي قطاع الأعمال والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات الدولية.

ويمثل المؤتمر، الذي ينظمه برنامج الأمم المتحدة للبيئة، محطة مهمة في مسار تفعيل الإطار العالمي بشأن المواد الكيميائية، الذي اعتُمد في سبتمبر 2023 خلال المؤتمر الدولي الخامس لإدارة المواد الكيميائية (ICCM5)، بهدف تعزيز الإدارة الآمنة والمستدامة للمواد الكيميائية والنفايات، والحد من آثارها الضارة على صحة الإنسان والبيئة.
وتنبع أهمية المؤتمر من كونه أول اجتماع دولي رئيسي مخصص لمتابعة تنفيذ الإطار العالمي، والانتقال من الالتزامات والأهداف المعلنة إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والتقييم، في ظل وجود خمسة أهداف استراتيجية و28 غاية تغطي مختلف مراحل دورة حياة المواد الكيميائية، بدءًا من الإنتاج والتداول والاستخدام، وصولًا إلى إدارة النفايات.
3 محاور رئيسية لتحويل الالتزامات إلى خطوات عملية
يرتكز المؤتمر على ثلاثة محاور رئيسية، أولها متابعة التقدم المحرز في تنفيذ الإطار العالمي، من خلال تطوير مؤشرات وآليات تساعد على قياس الأداء وتعزيز المساءلة، بما يدعم اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسات والاستثمارات.
ويتمثل المحور الثاني في تسريع التنفيذ، عبر تحديد حلول عملية قابلة للتوسع وتطبيقها في القطاعات وسلاسل القيمة ذات التأثير الكبير، بما يعزز الإدارة الآمنة للمواد الكيميائية في مراحل الإنتاج والاستخدام والتخلص من المخلفات.
أما المحور الثالث فيركز على حشد الاستثمارات والتمويل والابتكار، وتعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني، بما يسهم في توفير الموارد اللازمة لتنفيذ مستهدفات الإطار العالمي.
ومن المقرر أن يشهد المؤتمر حوارات رفيعة المستوى، إلى جانب مناقشات فنية ومتعددة الأطراف، لبحث التحديات والأولويات المرتبطة بتطوير التشريعات والسياسات، وتحفيز الابتكار، وتوسيع نطاق الحلول المستدامة.
أهمية المؤتمر لمصر.. فرص لدعم التحول الصناعي والطاقة الخضراء
يحمل المؤتمر أهمية خاصة لمصر، في ضوء توجه الدولة نحو تعزيز التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وتطوير القطاعات الصناعية والإنتاجية، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، بما يفرض أهمية متزايدة للإدارة الآمنة للمواد الكيميائية المستخدمة في الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وتبرز إحدى فرص الاستفادة المصرية في قطاع الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، إذ تتطلب مشروعات الطاقة النظيفة إدارة دقيقة للمواد الكيميائية المستخدمة في عمليات الإنتاج والتخزين والنقل، إلى جانب الالتزام بالمعايير البيئية ومتطلبات السلامة، بما يعزز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
كما يمثل المؤتمر فرصة لتعزيز توجهات البناء والتشييد المستدام، خاصة مع التوسع في المدن الجديدة والمشروعات العمرانية الكبرى، إذ تزداد أهمية استخدام مواد بناء أكثر أمانًا، والحد من المواد الكيميائية الضارة والملوثات في مراحل التصنيع والتشييد والتشغيل، مع مراعاة دورة حياة المنتجات وتأثيراتها البيئية.
وعلى مستوى التمويل، يمكن أن تسهم المناقشات المرتبطة بحشد الاستثمارات والابتكار في إتاحة فرص جديدة للتعاون بين المؤسسات الدولية والقطاع الخاص والدول النامية، بما يدعم تطوير قدراتها الفنية والمؤسسية في إدارة المواد الكيميائية والنفايات، دون أن يعني ذلك ضمان إتاحة تمويل مباشر أو تلقائي للدول المشاركة.
المنطقة العربية أمام تحديات تشريعية وصناعية
تمتد أهمية الإطار العالمي إلى المنطقة العربية، التي تواجه تحديات متفاوتة في إدارة المواد الكيميائية، تشمل تطوير التشريعات، وتعزيز نظم الرقابة، وتحسين آليات تداول المواد الخطرة والتعامل مع النفايات الناتجة عنها.
ومن هذا المنطلق، تتيح مناقشات المؤتمر فرصة لتبادل الخبرات بين الدول العربية، والاستفادة من التجارب الدولية في تحديث الأطر التنظيمية، ورفع كفاءة الرقابة على استيراد وتداول المواد الكيميائية، وتعزيز التنسيق الإقليمي في التعامل مع المخاطر العابرة للحدود.
ويبرز قطاع البتروكيماويات بوصفه أحد القطاعات الأكثر ارتباطًا بمخرجات الإطار العالمي، لا سيما في دول الخليج العربي التي تمتلك قاعدة صناعية كبيرة في إنتاج المواد الكيميائية والبتروكيماوية.
ومن المتوقع أن تزداد أهمية تبني ممارسات الإنتاج الآمن، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، والحد من الأثر البيئي للمنتجات على امتداد دورة حياتها، بما يدفع الشركات العاملة في القطاع إلى التوسع في الابتكار وتطوير حلول الكيمياء المستدامة، للحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية المؤتمر على مناقشة المخاطر البيئية والصحية للمواد الكيميائية، بل تمتد إلى رسم مسارات أكثر استدامة للإنتاج والتجارة والاستثمار، بما يضع الحكومات والشركات أمام مسؤولية مشتركة لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية الإنسان والبيئة.













