كم كانت الحكومات تعرف عن مخاطر تغير المناخ قبل أن يتحول إلى أزمة عالمية؟

يكشف تقرير حديث أن التحذيرات العلمية بشأن ارتفاع درجات الحرارة بدأت تصل إلى الحكومات منذ خمسينيات القرن الماضي.

ورغم ذلك، استمرت دول غربية وروسيا ودول الاتحاد السوفيتي سابقًا في سياسات التوسع بالوقود الأحفوري.
ويتتبع تقرير مركز القانون البيئي الدولي، الصادر الأسبوع الماضي تحت عنوان «ما كانت الدول على علم به»، تاريخ التحذيرات العلمية المبكرة.
ويرصد التقرير أبحاثًا ودراسات قُدمت إلى حكومات الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وألمانيا وإيطاليا والنرويج والاتحاد السوفيتي.
وحذرت هذه الدراسات من المخاطر المناخية المرتبطة بانبعاثات حرق الوقود الأحفوري.
وتتحمل هذه الدول مجتمعة مسؤولية نحو 40% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة منذ بداية عصر الوقود الأحفوري في أواخر القرن التاسع عشر.
تحذيرات مبكرة من ارتفاع الحرارة
تعود إحدى المحطات المهمة إلى عام 1957.
وخلال ذلك العام، بدأت حكومات عدة دول مناقشة مخاطر ارتفاع درجات الحرارة وذوبان القمم الجليدية القطبية.
كما تناولت النقاشات احتمالات ارتفاع مستوى سطح البحر.
وجاء ذلك بالتزامن مع السنة الجيوفيزيائية الدولية، التي امتدت من يوليو 1957 حتى ديسمبر 1958.
وشاركت نحو 70 دولة في المشروع العلمي الدولي.
واستهدف المشروع دراسة الأرض باعتبارها نظامًا مترابطًا، إلى جانب قياس التأثيرات المتزايدة للأنشطة البشرية في الكوكب.
وفي العام نفسه، توصل العالمان الأميركيان روجر ريفيل وهانز سويس إلى استنتاجات مهمة بشأن ثاني أكسيد الكربون.
ووصف العالمان ارتفاع تركيز الغاز في الغلاف الجوي بأنه «تجربة جيوفيزيائية واسعة النطاق».
واعتبرت الدراسة أن هذه التجربة غير مسبوقة ولا رجعة فيها، ولا مثيل لها في تاريخ البشرية.
الستينيات.. اتساع دائرة التحذيرات
ازدادت حدة التحذيرات خلال ستينيات القرن الماضي.
وجاء ذلك مع استمرار اعتماد الحكومات والاقتصادات الصناعية والنامية على الوقود الأحفوري لتحقيق النمو.
وفي عام 1965، حذر علماء الرئيس الأميركي ليندون جونسون من مخاطر ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون.
وأشار العلماء إلى أن الزيادة يمكن أن تؤدي إلى «تغيرات ملحوظة» في المناخ.
ولم تقتصر التحذيرات على الولايات المتحدة.
ففي النرويج وإيطاليا، ناقش باحثون في شركات النفط الحكومية الآثار المناخية المحتملة لإنتاج الوقود الأحفوري.
ومع ذلك، واصلت الحكومات دعم التوسع في إنتاج النفط.
ضع نمرًا في خزانك
في الوقت الذي تكررت فيه التحذيرات العلمية، كانت بعض الحكومات تواصل الترويج للتوسع في إنتاج الوقود الأحفوري.
وفي ألمانيا، عرضت لقطات إخبارية ترويجية تحقيق أرقام قياسية في استخراج الفحم.
وأظهرت تلك المواد عمال المناجم وهم يبتسمون، بينما تغطي وجوههم آثار العمل داخل المناجم.
أما في الولايات المتحدة، فارتبط إنتاج النفط المدعوم من الحكومة الفيدرالية بصورة مختلفة.
فقد قُدم النفط باعتباره أحد رموز الرخاء وحرية التزود بالوقود.
وظهرت في محطات إيسو عبارة ترويجية شهيرة تقول: «ضع نمرًا في خزانك».
اتساع إدراك الحكومات
قالت ليندسي فينلوك، الباحثة الرئيسة في مركز القانون البيئي الدولي والمؤلفة الرئيسة لتقرير «ما كانت الدول على علم به»، إن نتائج البحث كانت مفاجئة.
وأوضحت أنها فوجئت باستمرار اتساع نطاق إدراك الحكومات الدولية لتأثيرات تغير المناخ.
كما أشارت إلى أن هذا الإدراك شمل المخاطر المرتبطة بعواقب مناخية وخيمة.
وجاءت هذه النتائج بعد مراجعة عقود من المواد المؤرشفة التي تعود إلى حقبة ما قبل الإنترنت.
وبحسب فينلوك، كشفت الوثائق عن نقاشات مبكرة بشأن آثار تغير المناخ وسبل التعامل معها.
بدائل الوقود الأحفوري
لم تتوقف المناقشات عند الدراسات والتحذيرات العلمية.
فقد شهدت العقود التالية مؤتمرات دولية تناولت مستقبل الطاقة ومخاطر تغير المناخ.
ومن بين هذه الاجتماعات مؤتمر حكومي-صناعي عُقد في فرنسا عام 1968.
وشهد المؤتمر مناقشات مفصلة بشأن بدائل الوقود الأحفوري.
وفي عام 1973، استضاف المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في النمسا نقاشات حول استجابات الحكومات لتغير المناخ.
وتكشف هذه الاجتماعات أن قضية تغير المناخ لم تكن غائبة عن دوائر صنع القرار.
بل كانت موضوعًا للنقاش قبل عقود من تحولها إلى قضية سياسية وبيئية عالمية.
كندا ناقشت تغير المناخ علنًا
وتوصلت فينلوك إلى أدلة إضافية أثناء مراجعة نشرات إخبارية قديمة.
وكانت هذه النشرات موجهة إلى موظفي الوكالات الفيدرالية الكندية.
وأظهرت المواد أن العلماء ناقشوا تغير المناخ علنًا طوال سبعينيات القرن الماضي.
وتضيف هذه الوثائق إلى سلسلة الأدلة التي يستند إليها التقرير بشأن المعرفة الحكومية المبكرة بالمخاطر المناخية.
ارتفاع الحرارة.. أصبح واقعًا
تأتي هذه التحذيرات التاريخية في وقت تتفاقم فيه آثار تغير المناخ عالميًا.
ويُعد ارتفاع درجات الحرارة من أبرز مظاهر الأزمة المناخية خلال السنوات الأخيرة.
وقبل انتهاء شتاء وربيع 2026، شهدت أوروبا موجات حرارة قاسية تسببت في وفيات عديدة.
كما ترتبط موجات الحرارة الشديدة بزيادة مخاطر اندلاع حرائق الغابات.
وتخلف هذه الحرائق خسائر واسعة في البنية التحتية.
وتشمل الأضرار المباني والمنازل والأراضي الزراعية والمنشآت الحيوية.
وبذلك، تعيد التطورات المناخية الحالية طرح سؤال ظل حاضرًا في الدراسات العلمية منذ عقود:
إذا كانت التحذيرات من مخاطر الوقود الأحفوري قد بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي، فلماذا استمر التوسع في استخدامه لعقود طويلة؟













