كتبت:دينا عزالدين
منذ أكثر من ربع قرن، بدأ العالم يتعامل مع الانبعاثات الكربونية بطريقة مختلفة.


فلم يعد السؤال يقتصر على كيفية مواجهة تغير المناخ. بل أصبح هناك سؤال آخر: كم تبلغ الانبعاثات؟ ومن أين تأتي؟ وكيف يمكن قياس خفضها والتحقق منه؟
من هنا برزت أهمية بروتوكول كيوتو، الذي أُقر في اليابان عام 1997.
فالبروتوكول لم يكن مجرد اتفاق دولي للحد من الاحتباس الحراري. بل أسس لمنظومة جديدة تقوم على الأهداف والأرقام والقياس والإبلاغ والمراجعة.
والأهم من ذلك، أنه فتح الباب أمام التعامل مع خفض الانبعاثات باعتباره قيمة يمكن أن تدخل في آليات اقتصادية وسوقية.
البداية من كيوتو
اعتمدت الأطراف بروتوكول كيوتو في 11 ديسمبر 1997، ضمن إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.
ثم دخل البروتوكول حيز التنفيذ في 16 فبراير 2005.
واستهدف البروتوكول في مرحلته الأولى الدول الصناعية والاقتصادات التي كانت تمر بمرحلة انتقالية.
وبدلًا من الاكتفاء بالتعهدات العامة، وضع البروتوكول حدودًا كمية للانبعاثات.
وخلال فترة الالتزام الأولى، من 2008 إلى 2012، استهدفت الدول المدرجة في الملحق B خفض إجمالي انبعاثاتها بمتوسط 5% مقارنة بمستويات عام 1990.
وبذلك، انتقلت الانبعاثات رسميًا إلى عالم الأرقام والالتزامات الدولية.
لماذا نقيس الانبعاثات؟
هناك قاعدة أساسية تحكم سياسات خفض الانبعاثات:
لا يمكن خفض ما لا يمكن قياسه.
لذلك، تضمن بروتوكول كيوتو قواعد تتعلق بوجود نظم وطنية لتقدير الانبعاثات البشرية من المصادر وعمليات الإزالة بواسطة المصارف.
كما ارتبط النظام بمتطلبات للإبلاغ والمراجعة.
ومن هنا برز مفهوم القياس والإبلاغ والتحقق MRV.
فالبيانات تمثل نقطة البداية. وبعد ذلك يمكن تحديد حجم الانبعاثات ومتابعة تغيرها.
كذلك يمكن قياس أثر المشروعات والسياسات التي تستهدف خفض الانبعاثات.
من الكربون إلى السوق
وهنا تظهر واحدة من أهم التحولات التي ارتبطت بتجربة كيوتو.
فالبروتوكول لم يتعامل مع خفض الانبعاثات باعتباره قضية بيئية فقط.
بل أنشأ ثلاث آليات قائمة على السوق، وهي:
- تجارة الانبعاثات.
- آلية التنمية النظيفة CDM.
- التنفيذ المشترك JI.
وساعدت هذه الآليات على تحويل خفض الانبعاثات إلى وحدات يمكن التعامل معها وفق القواعد المنظمة لكل آلية.
كما أن بعض وحدات كيوتو يعادل طنًا واحدًا من ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادله من غازات الاحتباس الحراري.
وبالتالي، أصبح للانبعاثات بُعد اقتصادي إلى جانب تأثيرها البيئي.
آلية التنمية النظيفة
كانت آلية التنمية النظيفة CDM واحدة من أبرز أدوات بروتوكول كيوتو.
وتقوم فكرتها على تنفيذ مشروعات في الدول النامية تحقق خفضًا للانبعاثات.
ومع ذلك، لم يكن مجرد الإعلان عن خفض الانبعاثات كافيًا.
فالقواعد اشترطت أن تكون التخفيضات حقيقية وقابلة للقياس وطويلة الأجل.
كما تضمنت الآلية عمليات اعتماد وتحقق مستقلة.
وهنا تظهر أهمية البيانات مرة أخرى.
فحتى يصبح خفض الانبعاثات قابلًا للاعتماد، يجب أن يكون بالإمكان حسابه وإثباته والتحقق منه.
مصر في كيوتو
وقعت مصر على بروتوكول كيوتو في 15 مارس 1999.
ثم صدقت عليه في 12 يناير 2005.
ودخل البروتوكول حيز النفاذ بالنسبة لمصر في 12 أبريل 2005.
كذلك قبلت مصر تعديل الدوحة لبروتوكول كيوتو.
وأنشأ تعديل الدوحة فترة الالتزام الثانية للبروتوكول، التي امتدت من 2013 إلى 2020.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية عند متابعة تطور السياسات المصرية المرتبطة بتغير المناخ والانبعاثات.
هل يلزم كل مصنع؟
هنا تحتاج الإجابة إلى قدر من الدقة.
بروتوكول كيوتو لم ينص على قاعدة عامة تلزم كل مصنع في العالم بقياس انبعاثاته وإرسالها مباشرة إلى الأمم المتحدة.
فالالتزامات الأساسية في البروتوكول وُجهت إلى الدول والأطراف المشمولة بالالتزامات ذات الصلة.
ومع ذلك، فإن تنفيذ أهداف خفض الانبعاثات يحتاج إلى بيانات عن مصادر الانبعاثات.
ومن ثم، تصبح بيانات القطاعات الاقتصادية والمنشآت الصناعية ذات أهمية في بناء صورة دقيقة للانبعاثات على المستوى الوطني.
لذلك، فإن أي نظام وطني لقياس الانبعاثات يحتاج إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية:
من يقيس؟
ماذا يقيس؟
بأي منهجية؟
كيف يتم توثيق البيانات؟
من يراجعها ويتحقق منها؟
وأين يتم تسجيلها؟
وبمرور الوقت، أصبحت هذه الأسئلة جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة الانبعاثات.
كيوتو واتفاق باريس
لم يكن بروتوكول كيوتو نهاية تطور النظام الدولي لمواجهة تغير المناخ.
ففي عام 2015، جاء اتفاق باريس بإطار أوسع لمواجهة تغير المناخ.
وأصبح النظام يشمل جميع الأطراف، مع أهمية متزايدة للشفافية والإبلاغ عن الانبعاثات.
كما ارتبط ذلك بمتابعة التقدم في تنفيذ المساهمات المحددة وطنيًا.
وهكذا تطورت المنظومة من أهداف محددة للدول المشمولة بالالتزامات في كيوتو، إلى إطار عالمي أوسع يقوم على الشفافية والبيانات والمراجعة.
لماذا ما زال مهمًا؟
لا ترتبط أهمية كيوتو بالأهداف التي حددها فقط.
فالأهم أنه ساعد في ترسيخ فكرة أصبحت أساسية في العمل المناخي:
الانبعاثات يجب أن تكون قابلة للقياس.
كذلك يجب أن يكون خفض الانبعاثات قابلًا للإثبات والتحقق.
كما تحتاج الوحدات الكربونية إلى قواعد واضحة للتسجيل والتتبع.
ومع مرور الوقت، أصبحت بيانات الانبعاثات مرتبطة بمجالات تتجاوز البيئة.
فهي تدخل في السياسات الحكومية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والصناعة وأسواق الكربون.
من كيوتو إلى المصنع
بعد أكثر من 25 عامًا على اعتماد بروتوكول كيوتو، أصبح السؤال أكثر قربًا من أرض الواقع.
فلم يعد الحديث عن الكربون يخص الحكومات وحدها.
بل أصبحت المصانع والشركات أمام أسئلة جديدة حول حجم الانبعاثات الناتجة عن عملياتها.
كذلك أصبحت طرق حساب الانبعاثات وخفضها وإثبات نتائج الخفض أكثر أهمية.
وهنا تتحول البيانات من مجرد أرقام في تقرير بيئي إلى أداة يمكن استخدامها في اتخاذ القرار والتخطيط والاستثمار.
وبذلك، يمكن اختصار المسار الذي بدأ مع كيوتو في أربع كلمات:
قِس.. أبلغ.. تحقق.. ثم اخفض.
فكلما أصبحت الانبعاثات أكثر دقة في القياس، أصبح التعامل معها أكثر وضوحًا.
ومن هنا، فإن مستقبل الصناعة لن يرتبط فقط بحجم ما تنتجه المصانع.
بل سيطرح سؤالًا إضافيًا:
كم تبلغ الانبعاثات الناتجة عن هذا الإنتاج؟
وربما يصبح هذا السؤال من العوامل المهمة التي تؤثر في شكل الصناعة والتجارة والاستثمار خلال السنوات المقبلة.















