كتبت: دينا عزالدين
اتجهت إيران إلى تشجيع المواطنين والمسؤولين على تقليل استخدام السيارات الخاصة. وجاء ذلك ضمن حملة رسمية وشعبية حملت شعار «يوم واحد في الأسبوع بدون سيارة».


وشارك وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد في الحملة. وأظهرت مقاطع مصورة استخدامه وسائل النقل العامة للوصول إلى مقر عمله.
وتأتي الحملة في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا على سوق الوقود. كما رفعت البلاد أسعار البنزين للمستهلكين الذين يتجاوزون الحصة الشهرية المحددة.
لكن التجربة الإيرانية تطرح سؤالًا يتجاوز أزمة الوقود.
هل يمكن أن يصبح تقليل استخدام السيارات جزءًا من سياسات ترشيد الطاقة والاستدامة؟
مصر طبقت فكرة قريبة
في مصر، اتجهت الحكومة بالفعل إلى تقليل حركة الانتقال إلى مقار العمل. وجاء ذلك من خلال تطبيق العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع ضمن إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة والوقود.
ويستهدف الإجراء تقليل استخدام وسائل النقل. كما يسهم في خفض الطلب على الوقود المستخدم في رحلات الانتقال اليومية.
وبذلك تلتقي التجربتان في الهدف، رغم اختلاف الآلية.
فإيران تطرح «يومًا بدون سيارة»، بينما تعتمد مصر على تقليل الانتقال إلى مقار العمل في يوم محدد من الأسبوع.
النقل جزء من معادلة الطاقة
يمثل قطاع النقل أحد مصادر الطلب على المنتجات البترولية. لذلك فإن تقليل الرحلات غير الضرورية يمكن أن ينعكس على استهلاك الوقود.
ولا يتعلق الأمر بتوفير البنزين والسولار فقط.
فخفض استهلاك الوقود يعني أيضًا تقليل عمليات الاحتراق. وبالتالي يمكن أن يساهم في خفض الانبعاثات الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري.
وهنا تتحول إجراءات ترشيد الطاقة من مجرد استجابة للضغوط الاقتصادية إلى جزء من مفهوم الاستدامة.
83.6 مليون طن استهلاك محلي
وتكشف أحدث بيانات قطاع البترول المصري حجم منظومة الطاقة التي تتحرك فيها سياسات الترشيد.
وأعلنت الهيئة المصرية العامة للبترول توفير كامل الاستهلاك المحلي من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي خلال العام المالي 2025/2026.
وبلغ إجمالي الاستهلاك المحلي نحو 83.6 مليون طن.
وفي المقابل، تجاوز الإنتاج المحلي الإجمالي 60 مليون طن خلال العام المالي نفسه. كما قامت معامل التكرير بتكرير نحو 28 مليون طن من الخام.
وأشارت البيانات إلى استقرار استهلاك البنزين خلال العام المالي 2025/2026. كما سجل استهلاك السولار والمازوت انخفاضًا طفيفًا.
الاستدامة لا تتوقف عند السيارات
وتتحرك مصر في ملف ترشيد الطاقة على أكثر من مسار.
فوزارة البترول أعلنت تنفيذ مشروعات تستهدف رفع كفاءة استهلاك الطاقة وخفض استخدام الوقود التقليدي.
كما شهد العام المالي 2025/2026 تنفيذ مشروعات في مجالات الطاقة الشمسية وترشيد استهلاك السولار والاستفادة من غازات الشعلة.
وفي بيانات سابقة، أعلنت الهيئة المصرية العامة للبترول تنفيذ 18 مشروعًا في هذه المجالات. وحققت المشروعات عائدًا سنويًا يقدر بنحو 58 مليون دولار.
كما ساهمت في خفض نحو 270 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
توفير للوقود وخفض للانبعاثات
وتوضح هذه المشروعات أن مفهوم ترشيد الطاقة أصبح مرتبطًا بكفاءة التشغيل، وليس فقط بتقليل الاستهلاك.
وفي سبتمبر 2026، أعلنت الشركة العامة للبترول خفض استهلاك الطاقة بنسبة 22% خلال العام المالي 2025/2026.
وانخفض الاستهلاك من نحو 103 آلاف طن مكافئ زيت إلى 80 ألف طن.
وأسفر ذلك عن وفر مالي قدره نحو 11 مليون دولار.
وهذه الأرقام تعكس جانبًا مهمًا من الاستدامة.
فرفع كفاءة استخدام الطاقة يمكن أن يحقق وفرًا اقتصاديًا. وفي الوقت نفسه، يقلل كمية الوقود المطلوبة لتشغيل العمليات.
الاعتماد على الطاقة المتجددة
ولا تقتصر خطة مصر على ترشيد الوقود التقليدي.
فخلال يونيو 2026، أعلنت وزارتا البترول والكهرباء خطة لربط 2200 ميجاوات من الطاقة المتجددة بالشبكة خلال العام الجاري.
كما تتضمن الخطة إضافة 1300 ميجاوات/ساعة من بطاريات تخزين الكهرباء.
وأكدت وزارة الكهرباء أن تغيير أنماط التشغيل ساهم في خفض استهلاك الوقود لكل كيلووات ساعة إلى أقل من 170 جرامًا.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع لتنويع مصادر الطاقة. كما تستهدف زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة وخفض استخدام الوقود الأحفوري.
هل يمكن توسيع الفكرة؟
تطرح التجربة الإيرانية، بالتزامن مع تجربة العمل عن بُعد في مصر، فكرة أوسع حول إدارة الطلب على الطاقة.
فخفض استهلاك الوقود لا يرتبط دائمًا بزيادة الإنتاج أو استيراد كميات إضافية.
يمكن أيضًا تحقيق جزء من الوفورات من خلال تغيير أنماط الاستهلاك.
ويشمل ذلك تقليل الرحلات غير الضرورية، وتشجيع استخدام وسائل النقل الجماعي، وتوسيع العمل المرن والعمل عن بُعد عندما تسمح طبيعة الوظائف.
كما يمكن قياس أثر هذه الإجراءات من خلال مؤشرات واضحة.
وتشمل المؤشرات كمية الوقود التي تم توفيرها. وعدد الرحلات التي تم الاستغناء عنها. وحجم الانبعاثات التي تم تجنبها.
من ترشيد الوقود إلى ثقافة الاستدامة
تقدم التجربتان الإيرانية والمصرية نموذجين مختلفين لفكرة واحدة.
إيران تستخدم شعار «يوم واحد في الأسبوع بدون سيارة» لتشجيع تغيير السلوك.
أما مصر، فقد استخدمت العمل عن بُعد في يوم محدد كإحدى أدوات تقليل الانتقال وترشيد الطاقة.
ولا يعني ذلك أن التجربتين متطابقتان.
لكن القاسم المشترك بينهما هو محاولة خفض استهلاك الطاقة من خلال تقليل الطلب على التنقل.
وهنا تكمن القيمة الأوسع للفكرة.
فترشيد الوقود يمكن أن يتحول من إجراء مؤقت لمواجهة ضغوط سوق الطاقة إلى سلوك مستدام قابل للقياس.
ومع توسع مصر في مشروعات الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الوقود، يصبح تغيير أنماط الاستهلاك أحد المسارات التي يمكن أن تدعم أمن الطاقة وتخفض الانبعاثات في الوقت نفسه.















